مفهوم التخطيط التربوي
احتل التخطيط مكانة بارزة كركيزة أساسية لنجاح أي مشروع واعد، حيث يعتبر العنصر الأساسي الذي يضفي النجاح والتميز على أي تنظيم أو مؤسسة. فقد رافقت عملية التخطيط ظهور الإدارة وقطاع الخدمات في العصر الحديث، حينما بزغت المجتمعات الرأسمالية إلى الوجود، حيث سعت تلك المجتمعات إلى تنظيم إداراتها ومؤسساتها المالية بطرق علمية متقنة، تعتمد على وضع الخطط والبرامج وتنفيذها بمراحل وخطوات محددة، وتحديد الزمان والمكان المناسبين.
وقد تطور مفهوم التخطيط و مر بمراحل متعددة من حيث المبادئ والأسس، فيعـد بشكل عام “جزء مهم من الإدارة وعنصر حيوي من عناصرها، يستخدم للوصول إلى أهداف مستقبلية يراد تحقيقها ويتم تنفيذها حسب الإمكانيات المتاحة، عبـر إدراك المـستقبل وتهيئة مستلزمات التعامل معه”.
نلاحظ إذن أن مفهوم التخطيط جاء كأحد وظـائف الإدارة العامة التي تنظم المؤسسات مواردها في إطاره، وتسعى إلى تنفيذ أعمالها وفقا لأهداف وضعت في سياق عملية التخطيط .
مع تزايد الطلب على خدمات الأنظمة التربوية، والإقبال المتزايد على التمدرس، يظهر التحدي في إطار التعميم وضمان تكافؤ الفرص وتقليص الفوارق المجالية والاجتماعية، ويعزز حقوق الإنسان، ويؤكد على أهمية تلبية احتياجات ذوي الاحتياجات الخاصة، وتعزيز تأهيل الأسمال البشرية.
ومع تضخم حجم الإنفاق العمومي المخصص للقطاع، أصبح اعتماد التخطيط في المجال التربوي عنصراً أساسياً وضرورة ملحة في كل السياسات والتوجهات الحكومية المتبعة.
وذلك لضمان تدبير ناجع لقطاع التربية وفق الإمكانات والطاقات المتوفرة، والمتميزة أصلا بمحدوديتها وهشاشتها وصعوبة الحصول على الموارد المالية الكافية للمنظومة التربوية في ظل القيود المالية السائدة من قبل الممونين والمانحين.
أمام هذه الوضعية، فإنه على مدبري وصانعي السياسة التربوية، إعداد واقتراح خطط بالاعتماد على معطيات معلومات دقيقة ومحددة من أجل التمكن من الحصول على التمويل والدفاع على نصيب قطاع التربية من الميزانية العامة،
وذلك من خلال:
- توفير و نشر بيانات ومعطيات إحصائية موضوعية، دالة وسهلة للقراءة والتفسير ( على شكل مؤشرات) للتفاعل السياسي و الاقتصادي والمجتمعي.
- القدرة على بلورة و توظيف الأدوات المناسبة لضمان ضبط الواقع الفعلي للمدارس دونما تهويل او تضخيم، ومتابعة كيفية عمل الأنظمة التربوية بشكل عام واستشراف حاجياتها المستقبلية.
- تخطيط وتدبير أكثر نجاعة داخل قطاع التعليم المدر سي وفق الإمكانات والطاقات المتوفرة بغرض الرفع من المردودية وفق مبدأ ،coût/bénéfice وربط التعليم والتكوين بالتنمية وحاجات المجتمع,
أولا: مفهوم التخطيط التربوي
تعرَّف كومبس (Coombs 1970) التخطيط التربوي على النحو التالي: إنه عملية تطبيق للتحليل النسقي العقلاني لمسار التنمية التربوية، بهدف جعل التربية أكثر فعالية في تحقيق حاجات وأهداف المتعلمين والمجتمع.
ويضيف قائلا: “إن التخطيط التربوي يهتم بالمستقبل من خلال الدروس التي يستخلصها من الماضلي… وهو مسار متواصل، لا يكتفي بالتساؤل فقط عن الوجهة التي يتخذها، بل أيضا عن كيفية الوصول إليها وعن أفضل السبل المحققة لذلك.
”فيما يعرفه عبد الكريم غريب بأنه” :تحويل الغايات والمقاصد والأهداف، التي تم رسمها إلى مرام (كمية غالبا) و إلى برامج ومشروعات، مستخدما بوجه خاص لاسيما في ما يتعلق بالجوانب الكمية للتخطيط التربوي، طرائق وتقنيات حسابية معينة، ولاسيما في الإسقاطات والتنبؤات؛ بحيث يتم تحديد الصورة الكمية العددية للنظام التربوي خلال سنوات الخطة: سواء في ما يتصل بأعداد الطلاب (موزعة على مراحل التعليم وأنواعه) أو أعداد المعلمين والإداريين أو أعداد الصفوف، أو فيما يتصل بالأبنية والتجهيزات المدرسية، أو فيما يتصل بكلفة الخطة وتمويلها، سواء كانت تلك من مقومات النظام التربوي ومدخلاته أو مخرجاته، هذا إضافة إلى تحديد المرامي الكيفية تحديدا دقيقا وكميا حيث يمكن ذلك.
ومن أبرز ما يميز عملية التخطيط التربوي هذه، هو مرونتها التي تظهر من خلال استمرار المراجعة والتقييم أثناء التنفيذ، ومن خلال إعادة النظر المنتظمة في جوانبها السنوية، وبعد ذلك من خلال التقييم النهائي الذي يُؤخذ في الاعتبار أثناء إعداد الخطة التالية.
يتضح من خلال هذه التعاريف، أن التخطيط التربوي هو رسم السياسة التربوية والتعليمية التي تمكن من التنبؤ باحتياجات النظام التربوي والمشكلات المتوقع مواجهتها، وتحضير الحلول المناسبة لها باعتماد التحليل المنهجي والعقلاني في مجالات التربية والتعليم بهدف تطويرهما، وتلبية حاجيات، وأهداف الفرد، والمجتمع.
وبذلك فإن التخطيط التربوي ينتمي للاتجاه العقلاني الذي يؤكد أن فعل التخطيط يتوقف على التهيئ العقلاني للأفعال المستقبلية.
في عالم التعليم، يُعتبر التخطيط التربوي عملية منظمة مرنة ومُحددة زمنياً، حيث تعتمد على الدراسات التحليلية الشاملة لاستثمار نتائجها في وضع الخطة المناسبة. وهي تهدف إلى تحديد الصورة الكمية والنوعية التي يجب أن يتبعها النظام التربوي بعد اكتمال تنفيذ الخطة.
ثانيا: أهمية التخطيط التربوي
التخطيط التربوي قد فرض نفسه بوضوح، نظراً لدوره الحاسم في تحديد مكانة النظام التربوي ضمن الاستراتيجية التنموية الشاملة. يمكن إبراز أهمية التخطيط التربوي من خلال النقاط التالية (رمزي أحمد عبد الحي 2006):
- دوره الإيجابي يتجلى في التعرف على إمكانات المجتمع المعنوية والمادية والبشرية، وتشخيص الواقع في مجالاته المختلفة، سواء الاقتصادية أو الاجتماعية أو الثقافية.
- تحديد الأهداف التربوية والتعليمية، وترتيبها بحسب الأولويات التي تنعكس في حاجات المجتمع، وترجمتها إلى خطط ومشروعات وبرامج تربوية وتعليمية في إطار زمني محدد.
- ترجمة الأهداف إلى خطط ومشروعات وبرامج تعليمية وتربوية، وتحديد الجداول الزمنية المحددة لتنفيذها؛.
- يقوم أيضًا بعقلنة الاختيار بين البدائل المتاحة في البرامج والوسائل والإجراءات الممكنة لتحقيق متطلبات تنمية المجتمع، مع مراعاة الإمكانيات والموارد المتوفرة.
- يمكن من رسم السياسة التعليمية بكامل صورتها بمراعاة المعطيات السكانية والإمكانات الاقتصادية و الاجتماعية و أوضاع الطاقة العاملة، وذلك من أجل تنمية الرأسمال البشري الذي هو أساس لأل تنمية وتطور.
- تمكين النظام التربوي من مسايرة التطورات والاتجاهات التربوية المعاصرة واستدراك مكامن الخلل كلتي وقعت في الماضلي؛
- تمكين النظام التربوي من مجاراة التقدم والتغير السر عين الحاصل في المجالات الأخرا؛
- الاقتصاد في الجهد والوقت والمال، والرفع من المردودية ومعدل النمو، نظرا لدوره في تجنيخ التداخلوالجهد المضاعف، حيث يمكن التخطيط الجيد من تحديد دور لأل الأجهزة القائمة على التعليم، دون تداخل بينها في القيام بالمهام المنوطة بها؛
- لتحقيق الرؤية الشاملة لمختلف متطلبات التنمية، يتطلب الأمر التنسيق الفعّال الذي يُقام بين المخططين ومختلف الجهات والأجهزة، سواء في المجال التعليمي أو في مجالات أخرى.
- تحقيق التكامل بين أنواع التعليم ومستوياته، وتقديم حلول شاملة للمشكلات المطروحة، ومنهاتحقيق التوازن بين أسلاك التعليم، وبين فروع التعليم النظري والتطبيقا وبين الخدمات التعليمية في مختلف المناطق، أو بين الذلأور والإناث، وبين الكم والكيف..
ثالثا: أنواع التخطيط في التربية
توجد تصنيفات متعددة لأنواع التخطيط التربوي والتي تختلف حسب المعايير المعتمدة في ذلك. فنجد مثلا حسب البعد الزمني: التخطيط القصير المدى والتخطيط المتوسط المدى والتخطيط البعيد المدى، أما إذا اعتبرنا بعد الأثر فنجد التخطيط الإستراتيجي، التخطيط التقني ثم التخطيط الإجرائي. وفيما يلي مميزات وخصائص بعض هذه الأنواع :
التخطيط التقليدي
تم اعتماده خلال فترة الستينيات، ويرتكز على تقنيات التخطيط الكمية المعنيةبتحديد المدخلات اللازمة س les inputsلتوقعات التكلفة والمرتبطة بها لأأدوات رئيسية، وتميزبجمودهس statique و بصرامته في التقيد بتنفيذ ما تم برمجته والتخطيط له.
وفي وقت لاحق، انتقد هذا المنحى في التخطيط لعدم إيلاء الاهتمام الكافي للقدرة على التنفيذ وللعقبات الناشئة أثناء عملية التوزيل، وعدم إمكانية التعديل أثناء مرحلة التنفيذ. بالنسبة لهذا النوع من التخطيط، التتبع والتقييم يتمثل بشكل رئيسي في التدقيق على مدا الالتزام بخطط العمل الموضوعة وكذلك في احترام جداول الإنفاق؛ ارتبط هذا النوع من التخطيط بمرحلة التدبير المركزي لقطاع التربية.
التخطيط الاستراتيجي
ينبمي التخطيط الاستراتيجي على تصورات وأولويات استراتيجية تعمل على تعبئة جميع الفاعلين لتجسيد سياسة الدولة داخل القطاعات الحيوية، ويروم إحداث تغيير نوعي في المؤسسة وتمارسه الإدارة العليا وتأثيره بعيد المدا .
ويختلف التخطيط الاستراتيجي عن التخطيط التقليدي في كونه ينبني على التغيير و التنفيذ و النتائج، فهو تخطيط مرن يقوم على إشراك الفاعلين الآخرين. والبعد الاستراتيجي للتخطيط يسمح للمخطط أن يراجع باستمرار الأهداف والأولويات تبعا للتغييرات الحاصلة في المحيط على جميع المستويات، اقتصادية، سياسية أو اجتماعية (مثال ما حصل أثناء الجائحة التي فرضت نمط التعليم عن بعد وما يتطلبه من ضرورة توفير إمكانيات لوجيستيكية متمثلة في الحواسيخ ومنصات التواصل…. )
التخطيط الإجرائي
يعمل على وضع إطار لتنفيذ الاستراتيجية بشكل اسقاطات مالية وإحصائية ملموسة وتدابير عملية يومية، مع الحاجة إلى معطيات إحصائية ورقمية دقيقة ورصد جيد للاحتياجات، بالإضافة إلى التعرف على طرق التقويم التي تساعد على معرفة مدى تحقيق الأهداف. يُعتبر هذا النوع من التخطيط من اختصاص المدبرين المحليين.
رابعا : مراحل التخطيط التربوي
تتطلب عملية التخطيط التربوي اعتماد المراحل التالية:
التشخيص
هي أول عملية في التخطيط التربوي تهدف إلى تشخيص واقع النظام التربوي بالعمل على رصد موارده وسيرورة تطوره ونتائجه والمعيقات التي حالت دون تحقيق أهدافه. وهي عملية تنطلق من سؤال محوري هو: أين نحن الآن؟
لأن الهدف من التشخيص هو معرفة المعطيات والإمكانات المتوفرة باستحضار علاقة النظام التعليمي بالتوجهات السياسية والاقتصادية الكبرا وما مدا استجابتها لتحقيق حاجيات التنمية المنشودة.
ضرورة عدم اقتصار المعطيات على التعداد المدر لي السنوي، لتشمل بيانات التكاليف والتمويل والموارد البشرية المتوفرة سليس فقط المدرسين وأدوات المتعلمين، مع العمل على تخزينها بشكل دقيق ومتسق ومتوافق مع بيانات التعداد المدر لي من أجل القدرة على استثمارها في اتخاد القرارات المناسبة.
تعد العمليات المرتبطة بالإحصاء التربوي وتحيين المعطيات الخاصة بالمؤسسات التي يتم القيام بها عبر التطبيقات المعلوماتية Esise و Gresa من أهم الآليات المعتمدة في توفير البيانات اللازمة لتشخيص واقع المؤسسات التربوية
القيام بالتحليل و الدراسات
بعد مرحلة التشخيص، تأتا هذه المرحلة التي تمكن من التحقق من ما الارتباطات الموجودة بين المتغيرات والمؤشرات، وهو يساعد على التعمق في القضايا والمشاكل المرتبطة بالمنظومة واستباق حلول لها.
وتتطلخ الدراسات والتحليل الاعتماد على خطوتين أساسيتين هما:
- تحديد مجالات البحث بالرجوع إلى تحليل النسق الداخلي والخارجي للنظام التعليمي، وكذلك استكشاف إشكالياته الكبرى.
- اختيار منهجية البحث الملائمة والمساعدة في التحقق من الفرضيات المصاغة، التي قد تشمل متغيرات متعددة وتتطلب استخدام الإحصاءات الرياضية. ولذلك، يُعتبر التدريب في هذا المجال أمراً ضرورياً لتأهيل المخطط التربوي لإجراء دراسات علمية دقيقة، يستفيد فيها من مناهج البحث في العلوم الاجتماعية، وكذلك علمي الإحصاء والديموغرافيا.
بلورة خطة تربوية
تعتبر من أهم مراحل التخطيط التربوي، فهي المرحلة التي توظف فيها المعطيات التي تم تناولها في المرحلتين السابقتين، وفي نفس الوقت لأل مؤشرات نجاح أو فشل المراحل المتبقية. وتتضمن تحديد الأولويات وترتيبها، ثم طرح لأل الاقتراحات والإجراءات العملية بمراعاة التوجهات الكبرا والسياسة التربوية المعتمدة في ظل الموارد البشرية والمالية التي تتطلبها عمليتي الأجرأة والتنفيذ.
تصميم نظام للتتبع والتقييم
إن التنفيذ الناجه لخطة القطاع التربوي مرتبطة بقدرة نظامها على المتابعة والتقييم حيث أصبح التتبع والتقييم لمراحل تنفيذ خطط القطاع التربوي أكثر تعقيدا وتشابكا، يستوجب اعداد تقارير دورية عن مدا التقدم الحاصل في تنفيذ الخطط وصرف الاعتمادات المالية المخصصة وكذلك إعداد تقارير الانجاز السنوية للمخرجات والنتائج المحققة بما في ذلك تقييم الأثر والتي يجخ ان تعتمد على مؤشرات وأدوات قياس دقيقة.
تحديد كلفة تنفيذ المخطط Budgétiser le plan :
وذلك من خلال تحديد الحاجيات من الموارد البشرية الذين تشملهم الخطة، وتحديد الهيالأل والمبانا الجديدة التي تقترحها، ولأل ما تضمنته من وسائل مادية وبشرية التي تحتاج إلى تمويل حت يتم تجسد تنفيذ وتوزيل الخطة على أرض الواقع.
تتبع وتقييم مراحل الإنجاز
عبر تحديد النتائج المحققة ومختلف الأنشطة التي مكنت من الوصول إليها.
- وتتم خطوات تقييم التخطيط في ثلاث محطات:
- جمع المعطيات أسا سي لعملية التتبع. فأثناء بلورة خطة استراتيجية، توضع العديد من المؤشرات التي تساعد على القياس ومعرفة مدا تحقق الأهداف؛
- تحليل المعطيات والقيام بعملية الضبط réajustement لمعرفة هل تحققت الأهداف المتوخاة، وإذا كان هناك تأخر في تحقيق الأهداف، فيعاد النظر في المؤشرات؛
- إعادة التقييم réévaluation والهدف منها هو إدخال التعديلات أثناء تنفيذ الخطة.
فيما يلي خطوات مهمة تلخص مراحل عملية التخطيط التربوي:
• يمكن التخطيط من تحديد الأهداف المستقبلية لمؤسسة ما والوسائل اللازمة لتحقيقها والخطوات والاجراءات التي ينبغي اتخاذها للوصول لهذه الأهداف؛
• يمكن التخطيط من الإجابة على الاسئلة التالية:
- ما هو الوضع الراهن للتنظيم (المؤسسة) : الوضعية S0؟
- ماذا نريد أن نحقق؟ الوضعية S1
- من المسؤول عن تنفيذ الإجراءات، وماهي الإمكانيات والعمليات التي تنقل المؤسسة إلى الوضعول المأمول ؟
- تقييم الفرق بين الوضع الراهن والوضع المأمول؟ (الفرق بين S0 و S1 )