تحليل الممارسات المهنية
يتطلب تنفيذ هذا إجراء تحليل الممارسة الأخذ بعين الاعتبار العديد من المبادئ:
فاعلية المعني بالأمر و وعيه وتطوره: من أجل أن يتبنى المدرس موقفا تبصريا اتجاه ممارسته، يجب عليه أن يكون فاعلا في تكوينه الخاص وواعيا بحاجياته وطالبا للمساعدة، كما يجب عليه أن يقبل بأن يلاحظ ويضع ممارساته الشخصية رهن التصرف وأن يقوم بتحليلها، من أجل تطوير كفاياته المهنية.
اعتماد النقاش بين المتدربين وتحقيق التبادلية في تحليل الممارسة: إنها طريقة للتكوين ترتكزعلى إشراك الأقران لتطوير قدرات الذكاء بين الذوات لدى كل مدرس داخل نفس المجموعة من أجل مقارنة نتائج تحليل الممارسة مع بعضها واقتراح فرضيات لقراءتها وبناء بدائل ُمبررة.
الموضوعية وأخذ المسافة: إنها القدرة على تطوير فكر مستقل من خلال تسليط الضوء علىاختياراته، ومعارفه، وأفكاره، وقناعاته. وهذا يشمل أخذ مسافة بين الذات وتمثلاته وممارساته ومعاييره البيداغوجية والاجتماعية-الثقافية.
الفارق الذي ُيحدثه تحليل الممارسة: تمكن تحليل الممارسات المدرس من إدراك الفرق الكبير بين الممارسة المنجزة والممارسة المرغوب فيها.
الملاحظة، عرض إشكالات، التحليل، التنظير، تصور ممارسات جديدة: تمكن الممارسة التبصرية الممارس من تعديل تصوراته المهنية انطلاقا من أخذ مسافة بين ذاته وممارسته، بحيث ُيبنى هذا التحليل على ملاحظة ما تم إنجازه وعلى المساءلة عرض إشكالات وطرح فرضيات وعلى التنظير وتصور ممارسات جديدة.
اختيار الأدوات المفاهيمية والانخراط في إضفاء الطابع الرسمي لما هو شفهي وحتى لما هو مكتوب: تعد الملاحظة وطرح الأسئلة والتحاور التفسيري التبصري والتبادل بين الأقران من بينالوسائل المستعملة لاختيار الأدوات المفاهيمية والمراجع النظرية الملائمة التي يتم استخدامها في عملية إضفاء الطابع الرسمي على الممارسة. تعاقد تكويني يطمئن المتدرب ويلبي حاجاته المهنية
يعد تحليل الممارسات المهنية أحد الإجراءات التي تتطلب جوا من الثقة بين المكون المصاحب والمتدرب، يسمح بالتفاوض حول تعاقد ُيطمئن هذا الأخير، مما يساعد على تقويم وتعديل المشاكل الفعلية من خلال توضيح أهداف التكوين وبناء المهننة والبحث المشترك كذلك على بدائل تدفع المتدرب في الانخراط في سيرورة التكوين الذاتي تجعله يتطور بشكل مستمر ومتدرج.
أبعاد تحليل الممارسات المهنية
يعتمد تحليل الممارسة على توظيف أدوات مفاهيمية ومراجع نظرية، تمكن من وصف الممارسة المهنية وإعادة تأطيرها وقراءتها بشكل آخر. وُتعد «مهارة تحليل» الممارسات والوضعيات قدرة يتم بناؤها عبر التحليل،
وبتوظيف المفاهيم والمعارف والأدوات المحصل عليها من النماذج النظرية والبحوث البيداغوجية والديدكتيكية والنفسية والاجتماعية والإرغنوميا (Ergonomie) والبحوث المرتبطة بالتحليل النفسي أو المعتمدة على الممارسات المعترف بجودتها مسبقا،
بحيث أن هذه المعطيات الوصفية تساعد إضافة إلى المفاهيم والمراجع النظرية والأدوات المعرفية على تقديم وجهة نظر مختلفة عن الممارسة أو الوضعية موضوع التحليل.
ويهدف تحليل الممارسة إلى وضع محددات وليس تقديم نموذج جاهز لممارسة معينة، بليمكن من وضع معايير و ربطها بها. وسيتعين على المتدرب ذكر ما إذا كان التدخل ناجحا أم لا،
إذ لا يركز تحليل الممارسات على الوضعيات التي تثير صعوبات فقط، بل أيضا تهتم بالنجاحات. ومن الواجب على المتدرب أن يستوعب ما يقوم به وما يمكن أن ينجح فيه، بحيث يتم تكوينه على توضيح ممارساته.
إن المعارف الأدوات هي المراجع النظرية التي تصف الممارسة وتضفي عليها الطابع الرسمي، مثل التنظير للتعليم والتربية. فظني مثلا، يمكن أن ينظر إلى التعليم بوصفه وضعية تسمح للمدرس القيام باختيارات بيداغوجية تأخذ الإكراهات بعين الاعتبار
كما أن الغرض من التعليم هو الحفز على التعلم باعتماد تدبير المعارف الديدكتيكية. وفي هذا السياق، تبقى أبعاد الممارسة الصفية متعددة مما يقتضي من المتدربين أخذها بعين الاعتبار؛ حيث هناك من يصنفها إلى: بعدين: بيداغوجية و ديدكتيكية.
وأربعة أبعاد: (Altet 1996) عند الحديث عن الممارسة وقراءتها:
- بعد أداتي (instrumentale) تساعد المعارف-الأدوات على إضفاء الطابع الرسمي على الممارسة و التجربة وعقلنتهما؛
- بعد استدلالي (dimension heuristique) تفتح المعارف-الأدوات آفاقا للتفكير وتساعد علىربط المتغيرات المتعلقة بالوضعية التي يتم تحليلها مع بعضها؛
- بعد إشكالي (dimension de problématisation) تساعد المعارف-الأدوات على وضع إشكالوحله وبنائه؛
- بعد التغيير (dimension de changement) تمكن المعارف-الأدوات من إحداث تمثلاتجديدة للممارسات والوضعيات
ثلاثة أبعاد: البعد الشخصي-العلائقي، البعد البيداغوجي-التنظيمي، البعد الديدكتيكي الإبستيمي.
وحسب المفاهيم المستخدمة في التحليل، تعمل جماعة المتدربين على ترجيح الاشتغال بالبعد البيداغوجي والتعليمي للأستاذ أو التركيز على البعد الشخصي باستخدام المقاربة السريرية التي تعتمد الوصف والتشريح.ويبدو أن الأمر قد استقر على اعتماد ثلاثة أبعاد ثنائية التركيب، نفصلها كالآتي :
البعد الديدكتيكي-الإبستيمي:
يتجلى في استحضار البعد المعرفي وانتقاء وتنظيم الطرائق الديدكتيكية والاستراتيجيات والأساليب التدريسية المستعملة من طرف المدرس، وفي كيفية تدبير محتويات الدرس؛ يخطط المدرس لعمليات التعلم من خلال تنظيم وتصنيف المحتوى الدراسي، وتنسيق الطرق المناسبة لنقل هذا المحتوى وتثبيته في ذهن الطلاب، بهدف تحقيق الأهداف التعليمية المحددة.
يستند هذا التخطيط إلى قواعد الديداكتيكية مثل التعاقد الديداكتيكي ونقل الديداكتيكي ومعالجة الديداكتيكية وتدارس العوائق الديداكتيكية. يتطلب كل هذا من المدرس العمل على تكييف هذه العمليات وتعديلها لتتماشى مع احتياجات الطلاب ومتطلباتهم بشكل فعال.
تظهر الممارسات الصفية الممهنة للمدرس قدرته على تصميم أو تعديل وضعيات تعليمية تتناسب مع اهتمامات وميلات المتعلمين، مما يعزز جاذبية العملية التعليمية ويزيد من تفاعل الطلاب. يعمل هذا النهج على تحفيز انتباه الطلاب وإشعال رغبتهم في المشاركة والاستفادة من محتويات الدروس. بالإضافة إلى ذلك، يسهم تحليل المدرس للمحتوى وتوجيهه بشكل مباشر نحو الأهداف المحددة في تعزيز عملية التعلم بشكل فعّال.
البعد البيداغوجي-التنظيمي:
البعد البيداغوجي للممارسة الصفية يتعلق بالمهارات والكفايات والأساليب التدريسية ذات الطابع البيداغوجي، والتي تتعلق بنشاط المدرس وأدائه المهني والتربوي وتكوينه، بالإضافة إلى تخطيطه للدروس وتنظيم الحصص وبناء أشكال التقويم والاختبار بشكل يحقق التنظيم الشامل.
يتضمن ذلك سلوكات المدرس والأساليب المستخدمة خلال التدريس، مع مراعاة جميع المتغيرات المحتملة التي قد تؤثر على عملية التعلم والتدريس، ويتجلى هذا البعد في تنظيم الأنشطة التعليمية والتفاعلات بين الطلاب والمدرس بشكل أفقي وعمودي، وذلك بما يعكس السياق والوضعية التعليمية المحددة.
يتطلب التدبير البيداغوجي الفعّال والفعّال استثارة العمليات العقلية للطلاب وتوجيه نشاطهم نحو مركز التعلم بما يتماشى مع التوجيهات التربوية. يُشجع الطلاب على اكتساب المعرفة وتطوير مهاراتهم من خلال مراقبة وتوجيه المهام الفردية والجماعية بشكل مستمر.
يعتمد التدبير البيداغوجي الفعّال على البيئة التي يخلقها المدرس في الصف ومدى توافقها مع سياق التعلم وأهدافه.
البعد الشخصي-العلائقي:
يركز على كيفية التفاعل والتواصل بين مختلف الشخصيات مع خصوصياتها، وتدبير التفاعلات بينها، وبلورة العلاقات والتدبير السليم للتعلمات؛ بحيث إن المدرس والمتعلمين من جهة، والمتعلمين فيما بينهم من جهة ثانية تربطهم علاقات تؤطرها حمولات إنسانية، سيكونفسية، اجتماعية وتمثلات خاصة،
فدور المدرس(ة) مهم في إرساء السلوكات الإيجابية في هذه العلاقة، وكل خلل في بناء هذه العلاقات سيكون له انعكاسات سلبية على العملية التربوية برمتها .
ما يناقض الحاجة إلى التأسيس لبيئة تعليمية-تعلمية مطمئنة داخل الفصل، والتي من المطلوب من المدرس(ة) توفيرها من خلال:
- بناء علاقات إيجابية، فالمتعلم(ة) يفضل المدرس الذي يعرف بتعامله الإنساني؛
- نقل التوقعات الإيجابية، فالمتعلم(ة) ينتظر من المدرس التشجيع على النجاح؛
- تهيئة مناخ صحي، ملائم ومريح للتعلم باعث على الاستعداد والحافزية والمبادر ة؛
- تقدير ذات المتعلم(ة) عن طريق الإنصات والتحفيز والإشراك
إن تملك المدرس(ة) لكفايات علائقية وقيمية دعامة أساسية لتمهين الممارسة التدريسية، وليصبح المدرس محترفا وممهننا وشرطا لحدوث عملية تعليمية-تعلمية سليمة ذات جودة ومردودية.
• البعد الشخصي: نستحضر هنا متغيرات متعلقة بشخصية المدرس(ة)، تظهر في مواقفهالبيداغوجية وآرائه حولها، وكذلك تمثلاته وعلاقته بالمعرفة (النقل الديدكتيكي)، أيضا تمثلاته وتصوراته اتجاه المتعلمين(ات).
فشخصية المدرس تؤثر في أسلوب تدريسه لذا لا يمكن حصر أسلوب تدريسي واجد ووحيد معياري دون غيره كوصفة جاهزة، لكن يمكن الحكم على جودة وفعالية ونجاعة أي أسلوب تدريسي مرتبط بشخصية المدرس(ة)، من خلال درجة تفاعل المتعلمين ومدرسهم وفيما بينهم، ومن خلال تقييم الأثر الذي تعبر عنه درجة التحصيل لدى المتعلمين.
معايير تحليل الممارسة المهنية
على ضوء الأبعاد الثلاثة للممارسات المهنية، يتم إخضاعا للتحليل وفق ثلاثة معايير نعرض كالآتي:
- معايير ديدكتيكية: تنقسم معايير تحليل الممارسة الصفية وفق المرجعيات الديدكتيكية والمقارباتية إلى قسمين: الأول يرتبط بالمحتوى التعليمي، والثاني بطرق تدريس المادة الدراسية.
- معايير بيداغوجية: تتجلى في قدرة المدرس(ة) على:
- صياغة وضعيات تعليمية-تعلمية مركبة مرتبطة بالواقع المعيش، ملائمة لسياقات معينة ومحفزة جاذبة للمتعلم(ة) بأن يستقر في مركز العمليات التعليمية التعلمية؛
- ابتكار وضعيات انطلاق بالارتكاز على تمثلات المتعلمين(ات) ومكتسباتهم القبلية بجميع حمولاتها، ووضعها موضع صا رع معرفي لتصحيحها وتهذيبها؛
- تنظيم الجدول الزمني للتعلم والتدريس، وتخصيص الوقت المناسب لكل نشاط داخل سير الدرس.
- تنويع أشكال تنظيم القسم الدراس ي والتنويع أيضا في صيغ عمل جماعة الفصل منمتعلمين(ات) (فردي، مجموعات.)..؛
تفعيل المقاربات البيداغوجية الملائمة والمستجدة والاستراتيجيات المتنوعة والطرائقالبيداغوجية النشيطة في تدبيره للأنشطة الصفية، وتنويع الوسائل، والوسائط التعليمية، والتربوية.
– معايير تواصلية: تتمثل في تملك المدرس(ة) لكفايات ومهارات تواصلية هي كالتالي:
- تنظيم مشاركة المتعلمين (ات) وتدبير اتجاهات التواصل التربوي فيما بينهم أو بينهم وبين المدرس(ة)؛
- تحفيز المتعلمين (ات) على المشاركة وأخذ زمام المبادرة وابتكار منتوجات تعلمية، والالتزام بآداب الحوار والتفاعل البناء في مختلف مواقف التواصل التربوي والمهني؛
- نود الإشارة إلى أن المعايير التواصلية تتطلب اتصاف المدرس(ة) بمنظومة قيمية (قيم فضلى)تنعكس لا محالة على مواصفاته وملامحه الشخصية والعلائقية مع المتعلم(ة)، بل وتتعداه إلى المحيط المهني من زملاء ومتدخلين تربويين (ات) وآباء وأولياء الأمور …
- الاهتمام بأنشطة المتعلمين(ات) عن طريق التوجيه والتقويم وتثمينها والتنويه بها، وإشهارالمتميز من إنتاجات المتعلمين؛ استعمال المهارات التواصلية لتعزيز الإقبال على التعلم والانخراط فيه، وتطبيق تقنيات التنشيط التربوي والتواصل البيداغوجي لإضفاء صفة المتعة
ثانيا: خطوات تحليل الممارسات المهنية
تابع القراءة بالنقر على الرابط أسفله