تدخل الأنشطة المندمجة ضمن ما تسميه الأدبيات بالمشروع التربوي، وهو سلوك استباقي يقوم على القدرة على تصور خطة عمل مستقبلية، وتخطيط مراحل إنجازها وفق أهداف محددة سلفا.
مشاريع الأنشطة المندمجة
دخلت المنظومة التربوية منذ صدور الميثاق الوطني للتربية والتكوين، مرحلة جديدة، اتسمت بتأهيل المدرسة المغربية وفق بٌعد تَبصري واضح، دعمته الرؤية الاستراتيجية للإصلاح التربوي (2015 ،2030) وفي هذا الإطار، تكثفت المساعي الوطنية لإعطاء الأنشطة المندمجة، مكانتها ضمن الأنشطة الموازية وأنشطة الحياة المدرسية.
إذ تقرر تخصيص حيز زمني لها “في استعمال زمن المتعلمين والمتعلمات وفي جدول حصص الأساتذة المنخرطين في الأندية التربوية ممن أبدوا الرغبة في ذلك، وتم تحديد المدة الزمنية المخصصة لهذه الأنشطة في ثلاث ساعات أسبوعية تشمل الأنشطة الصفية وغير الصفية”.
وهذا الاهتمام المتزايد بالأنشطة المدرسية، يجد مبرراته في قدرتها على رصد جوانب مهمة من شخصية المتعلمين، قد لا تشي بها الأنشطة الصفية الاعتيادية التي تجري داخل الأقسام.
عندما نقول نشاط موازي (Parascolaire ; Extrascolaire) فنحن نقصد “النشاط الذي يتم خارج ساعات العمل المدرسي” .وهذا يختلف عن المقصود بالأنشطة المندمجة؛ التي لا تنجز خارج فضاء المدرسة؛ وبالرغم من كونها مجزوءات تكميلية لا توجد في مقررات رسمية،
فهي لا تقل أهمية عن أنشطة التعليم تعلم، المثبتة رسميا في البرامج الدراسية، إذ تعد مشاريعها إحدى ركائز إرساء الجودة في التربية والتكوين.
وهكذا، يجري تعريفها بأنها “أنشطة تتكامل مع الأنشطة الفصلية بفضل مقاربة التدريس بالكفايات، وقد يشارك في تأطيرها متدخلون مختلفون.
حيث أنها تسعى إلى تحقيق أهداف المنهاج، وتخضص هامشا أكبر للمبادرات الفردية والجماعية التي تهتم أكثر بالواقع المحلي والجهوي، بالإضافة إلى كونها تتيح إمكانية مناولة المواضيع والأحداث الراهنة، وتفتح المجال للتعلم الذاتي الملائم لخصوصيات المتعلمين”
.وفي المجمل، يتعلق الأمر بأنشطة غير فصلية، مع أنه بالإمكان تحويل بعض الأنشطة الفصلية إلى أنشطة مندمجة “يستدعي تنفيذها فضاء مختلفا ومتدخلين متعددين، وذلك بإعداد مجزوءات خاصة بكل محور، جهويا أو وطنيا، وتخصص لها أحيا ٌز زمنية مناسبة”.
خصائص مجزوءات الأنشطة المندمجة
من خصائص مجزوءات الأنشطة المندمجة ما يلي:
- الاستقلالية: حيث تبلور كل مجزوءة إسهامها النوعي الخاص بها في تكوين المتعلمين، في إطار صرها عنا تكاملها مع غيرها من المجزوءات الصفية، فتستقل ب وأهدافها، وأنشطتها، ووسائلها، وإجراءاتها.
- الانسجام والتكامل: تبلور المجزوءات بشكل نسقي متماسك يحيط بكل الجوانب، ويحقق الأهداف المنشودة
- قابلية التطبيق: ينبغي أن تكون المجزوءات المعدة من قبل المؤسسة منطقية وقابلة للتطبيق، مناسبة للإمكانات والموارد المادية والبشرية المتاحة حتى لا يتعثر إنجازها أو تبقى حبرا على ورق…-التنوع: تتضمن المجزوءة عادة أنشطة متنوعة فيها تطبيقات عملية وأشغال يدوية وخرجات تربوية وورشات… يراعي الأستاذ إحاطتها بحاجات المتعلمين العادية والخاصة ورغباتهم، تجمع بين المتعة والفائدة.
- المرونة: حيث تكون قابلة للإغناء والإثراء والمواءمة لاستثمارها مع مجموعة في مستوى معين أو مع مجموعات في مستويات أخرى بعد توجيهها تبعا لمتطلبات الاستعمالات الجديدة؛
- التعلم النشيط: تقتض ي طبيعة الأنشطة المندمجة استخدام آليات التعلم النشيط لكي توفر للمتعلمين سبل التفتح الفني والأدبي والعلمي والتقني والرياضي…حسب هواياتهم من جهة، ولكي تكتسي طابعا عمليا وصبغة جذابة تعزز انخراط المتعلمين قدر الإمكان من جهة أخرى.
- بلورة تكامل المعارف والعلوم: يتيح العمل بالمجزوءات إدماج معارف وخبرات مجموعة من المواد في صيغة أنشطة تركيبية دالة، تركز على عمليات بناء متعددة المقاصد والأهداف.
- العناية بالفروق الفردية والتعلم الذاتي: تعتني الأنشطة المندمجة بالفروق الفردية، الجسدية والوجدانية والمعرفية للمتعلمين، وتعمل لتزويدهم بالتقنيات الملائمة لتطويرهم الذاتي، حسب حاجات كل فئة.
وهكذا، يتم إعداد مشاريع الأنشطة المندمجة ضمن إطار تحسين الجودة، بالنظر إلى كون فضاء المؤسسة، “فضاء رحبا للاجتهاد والابتكار واستكشاف سبل ومقاربات جديدة للارتقاء بالمؤسسة وتحسين جودة التعلم وربطه بالحياة العملية.”
سواء تعلق الأمر بأنشطة مندمجة بسيطة تنجز على مستوى الأقسام الدراسية وتندرج ضمن مخططات مشاريع القسم، أو أنشطة تصلح لتكون مشاريع مندمجة للمؤسسة.
يتم اقتراح هذه المشاريع، وفق مقاربة تشاركية، قوامها الانخراط الفعلي والفعال لكل الفاعلين التربويين والشركاء، بشكل يقوم على التواصل المفتوح والموسع بين المجالس والعاملين بالمؤسسة والشركاء. وذلك في إطار مجلس التدبير.
وعليه، “يمكن أن يبادر باقتراح العمل بالمشروع طرف أو أطراف عديدة معنية بالتربية في المؤسسة: المدير(ة)، أحد العاملين في المؤسسة، التلاميذ، مجلس من مجالس المؤسسة، جمعية الأولياء والآباء والأمهات، الجماعة المحلية، شريك من الشركاء الداعمين …،
يمكن أن يكون القرار رسميا صادرا عن الوزارة أو الأكاديمية أو المديرية لتطبيق مذكرات وزارية في الموضوع”.
في حالة تبني مشروع المؤسسة المندمج، يقوم فريق القيادة برئاسة المدير (ة) بأدوار أساسية لتفعيله في كافة المراحل، باعتماد تقنية (DEPART) التي هي اختصار لمجموع العمليات الأساسية لبلورته وتضم المراحل التالية:
- مرحلة الانطلاقة : D =DEMARRAGE
- مرحلة تشخيص الوضعية الحالية : E =ETAT DU LIEU
- مرحلة تحديد الأولويات : P =PRIORITES
- مرحلة التدخلات : A =ACTIONS
- .مرحلة الضبط : R =REGULATION
- مرحلة الانتقال : T =TRANSITION
تتطور مشاريع الأنشطة المندمجة، بوجود شركاء وأساتذة مبدعين ومجددين، لهم خبرة في مجال تحسين جودة التعليم التعلم وطرق تفعيل أدوار الحياة المدرسية. وتشجع الأكاديميات الجهوية الأعمال الرائدة في هذا المجال بالدعم المعنوي، والدعم المالي حسب الدليل المسطري الخاص بالتدبير المالي لجمعيات دعم مدرسة النجاح؛ وتنقسم مجالات مشاريع الأنشطة المندمجة إلى نوعين :
أولا- مجالات أنشطة تحسين جودة التعليم وتفعيل أدوار الحياة المدرسية، وتضم:
- تطبيقات التعلم والتعلم الرقمي في الحياة العملية؛
- التربية على القيم والديمقراطية؛ -الأنشطة الثقافية والفنية والرياضية؛
- المعامل التربوية والتحسيس بالحرف؛ -النوادي التربوية؛
- الدعم النفس ي والاجتماعي والتربوي
- دعم التعلمات ومحاربة الهدر المدرسي.
ثانيا- مجالات تحسين العوامل المؤثرة في جودة التعلم وأداء المؤسسة، وتضم:
- انفتاح المؤسسة على محيطها؛
- تنمية الشراكات وجلب الموارد؛
- تحسين البنيات والمرافق والفضاء
- توفير الوسائل وتحسين استعمالها؛
- تكييف المناهج وإثراؤها
- تحسين الممارسات وكفايات التدريس؛
- تحسين تدبير المؤسسة
أهداف مشاريع الأنشطة المندمجة
تهدف مشاريع الأنشطة المندمجة إلى تحقيق إشعاع المدرسة في محيطها؛ لتتماشى ومتطلبات التنمية المحلية، عبر تجويد الممارسات التربوية وإعطاء معنى لأنشطة المؤسسة، والرفع من جودة التعلمات الأساس، وجعل المؤسسة فضاء رحبا لتنمية كفايات المتعلم، وتعزيز مهاراته وقدراته، وصقل مواهبه، وإبرازها في مشاريعه التربوية، وتوجيه توجيها سليما، وتحصينه ضد السلوكات والمظاهر المشينة. “وذلك في إطار احترام الأهداف الوطنية؛
ومن تم، يتعين في المقام الأول، العمل على تحليل وضعية المدرسة أو المؤسسة، من حيث الفئة المستهدفة والوسائل الموضوعة قيد الاستعمال وسياق الاشتغال، والحاجيات الخاصة بالتلاميذ.
[وفي المقام الثاني، ينبغي تحديد الأهداف الخاصة للمشروع] في إطار احترام البرامج الوطنية، وتحديد الاستراتيجيات والتقنيات التي تم وضعها قيد الاستعمال، وطرائق التتبع والتوجيه؛ ورصد مبادرات التجديد الكفيلة بضمان الاندماج المدرسي في ظروف مثلى، وكذا الاندماج الاجتماعي والمهني للتلاميذ” .ويمكن إجمالا التصريح بالأهداف التالية :
- مواكبة التطورات التي تشهدها منظومة التربية والتكوين القائمة على مرجعيات: الرؤية الاستراتيجية للإصلاح التربوي، والقانون الإطار 51-17 و النموذج التنموي الجديد.
- تفعيل مقاربة تشاركية نسقية متكاملة تندمج فيها كل المبادرات والخطط والأنشطة للارتقاء بالمؤسسة وتحسين جودة التعلمات في مختلف جوانبها؛
- تفعيل مرتكزات الحياة المدرسية وضوابطها؛-البحث عن حلول ناجعة للمشكلات والعوائق الفعلية؛
- الارتقاء بجودة التعلمات بالمؤسسة على المدى المتوسط والبعيد وبناء مؤسسة القيم والمواطنة الفاعلة؛
- البحث عن حلول لتحسين النتائج الدراسية والارتقاء بها الى مستوى المعايير الوطنية والدولية؛
- تشجيع المبادرة والابتكار على المستوى المحلي والجهوي؛
- أجرأة اللامركزية واللاتمركز في قطاع التربية والتكوين؛
- تملك رؤية استشرافية وتحسين دور المؤسسة في الإصلاح العملي وتنمية الحكامة المحلية؛
- تحقيق انفتاح المؤسسة على المحيط باستحضار المجتمع في قلب المدرسة؛
- تفعيل التعبئة الاجتماعية والبحث عن الموارد وعقد الشراكات والتعاون مع مختلف الشركاء؛
- استثمار مرجعيات المبادرة الوطنية للتنمية البشرية وجعلها قاطرة للتنمية المحلية.
- تعزيز الكفايات وتنمية المعارف والمهارات والمواقف والقيم لدى المتعلمين والمتعلمات؛
- نشر القيم الأخلاقية والعمل على الحد من تفشي المظاهر المشينة؛- الدعم في مجال التوجيه التربوي للمساعدة على بلورة المشاريع الشخصية؛
- المواكبة الداعمة، والتعزيز المستمر للمشاريع التربوية للمتعلمين والمتعلمات؛
- بث روح المسؤولية لدى كل الأطراف المعنية والتعبئة المجتمعية حول المؤسسة؛
- تشجيع التكامل والتفاعل والتعاون مع مختلف الشركاء والفاعلين في محيط المؤسسة..
ويأخذ أي مشروع تربوي، كيفما كانت أهدافه؛ أصالته وتميزه، إذا كان يستهدف تطوير المتعلم، وإعداده للحياة الاجتماعية، ليقتحمها فكريا وأداتيا بالإيجابية التي تتطلبها المواطنة الصالحة، من محافظة على القيم النبيلة، ودفاع عن الهوية وعن الثوابت الدينية المكتسبة وعن العدالة والديمقراطية، ومبادئ التعايش السلمي في إطار قبول الاختلاف والانفتاح والتعاون البناء.
تعليق واحد
جزيت خيرا سيدي على عملك